محمد بيومي مهران
176
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
امشي خلفي ودليني على الطريق خوف أن يراها ، أو أنه قال لها هذا بعد أن مشى خلفها فرفع الهواء ثيابها عن كعبها « 1 » ، فهذا كله تكلف لا داعي له ، ودفع لريبة لا وجود لها ، وموسى عليه السلام عفيف النظر ، نظيف الحس ، وهي كذلك ، والعفة والأمانة لا تحتاجان لكل هذا التكلف عند لقاء رجل وامرأة ، فالعفة تنضح في التصرف العادي البسيط بلا تكلف ولا اصطناع . وعلى أي حال ، فلقد استجاب الشيخ لاقتراح ابنته ، ولعله أحسن من نفس الفتاة ، ونفس موسى ، ثقة متبادلة ، وميلا فطريا سليما صالحا لبناء أسرة ، والقوة والأمانة حين تجتمعان في رجل ، لا شك تهفو إليه طبيعة الفتاة السليمة التي لم تفسد ولم تلوث ولم تنحرف عن فطرة اللّه ، فجمع الرجل بين الغايتين ، وهو يعرض على موسى أن يزوجه إحدى ابنتيه في مقابل أن يخدمه ويرعى ماشيته ثماني سنين ، فإن زادها إلى عشر ، فهو تفضل منه لا يلزم به ، قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ ، فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ، سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ « 2 » ، قال الإمام القرطبي : في الآية عرض الولي ابنته على الرجل ، وهذه سنة قائمة ، عرض شعيب ابنته على موسى ، وعرض عمر ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان ، وعرضت الموهوبة نفسها على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فمن الحسن عرض الرجل وليته على الرجل الصالح ، اقتداء بالسلف الصالح « 3 » . ولعل سائلا يتساءل : من هو شيخ مدين هذا الذي صاهر موسى عليه السلام ؟
--> ( 1 ) تفسير النسفي 3 / 231 ، تفسير البيضاوي 4 / 126 ، الدر المنثور 5 / 126 - 127 ، تفسير الفخر الرازي 4 / 239 - 244 ، مختصر تفسير ابن كثير 3 / 11 ، تاريخ الطبري 1 / 398 ، ابن الأثير 1 / 99 . ( 2 ) سورة القصص : آية 27 ، في ظلال القرآن 5 / 2687 - 2688 . ( 3 ) تفسير القرطبي 13 / 271 .